حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
411
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الهدى والضلالة . فقوله شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً حالان من مفعول هَدَيْناهُ أي مكناه وأقدرناه في هاتين الحالتين وقيل : تقديره هديناه السبيل فيكون إما شاكرا أو كفورا . وفيه جهة الوعيد أي فإن شاء فليكفر وإن شاء فليشكر فإنا اعتدنا للكافرين كذا وللشاكرين كذا . وجوز أهل العربية أن يكونا حالين من السبيل على الإسناد المجازي لأن وصف السبيل بالشكر والكفر مجاز ، وهذه الأقاويل تناسب أصول المعتزلة . أما الذي اختاره الفراء وهو مطابق لمذهب أهل السنة أن تكون « إما » في هذه الآية كما في قوله وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [ التوبة : 106 ] والمعنى هديناه السبيل ثم جعلناه تارة شاكرا تارة كفورا . والمراد بالشكر الإقرار باللّه وبالكفر إنكاره حتى لا يكون بين الفريقين واسطة . ويجوز أن يريد بالشاكر المطيع وبأهل الكفر كل من سواه كان كفرانه مطلقا وهو الكافر باللّه ، أو ببعض المعاصي وهو الفاسق . قوله سَلاسِلَ من قرأه بالتنوين فإنه صرفه لمناسبة . قال الأخفش : سمعنا من العرب صرف جميع ما لا يصرف وهذه لغة الشعراء اضطروا إليه في الشعر فجرت ألسنتهم بذلك في النثر أيضا . وقيل : إنه مختص بهذه الجموع لأنها أشبهت الآحاد ولهذا جاز « صواحبات يوسف » . وجوز في الكشاف أن يكون هذا التنوين بدلا من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف ، ومثله قَوارِيرَ فيمن قرأ بالتنوين ، والاعتاد الإعداد ، والسلاسل للأرجل والأغلال للأيدي والأبرار جمع برّ وبار . عن الحسن : هم الذين لا يؤذون الذّر مِنْ كَأْسٍ أي إناء فيه الشراب . وقال ابن عباس ومقاتل : هو الخمر بعينها ، والمزاج ما يمزج به ، والكافور اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده ولكن لا يكون فيه طعم الكافور ولا مضرته ، والمضاف محذوف ماء كافور . والحاصل أن ذلك الشراب يكون ممزوجا بماء هذا العين قيل : « كان » زائدة والأظهر أنها مفيدة ولكنها مسلوبة الدلالة على المضي كقوله وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [ النساء : 17 ] عن قتادة : يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك . وقيل : يخلق فيه رائحة الكافور وبياضه وبرده فكأنها مزجت بالكافور . قال جار اللّه : فقوله عَيْناً على هذين القولين بدل من محل كَأْسٍ على تقدير حذف مضاف كأنه قال : يشربون خمرا خمر عين ، أو نصب على الاختصاص . ولا خلاف بين العلماء أن عباد اللّه في الآية مختص بالمؤمنين الأبرار فغلب على ظنهم أن العباد المضاف إلى اسم اللّه سبحانه مخصوص في اصطلاح القرآن بالأخيار ، وعلى هذا يسقط استدلال المعتزلة بقوله وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [ الزمر : 7 ] كما مر في أول الزمر . وإنما قال أولا يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ وآخرا يَشْرَبُ بِها لأن الكأس هي مبدأ شربهم وأما العين فإنما يمزجون بها شرابهم فالباء بمعنى « مع » مثل « شربت الماء بالعسل »